الخميس، 22 نوفمبر 2012

قراءة متواضعة في التغيير الديمقراطي حتى لانمارس بجهل النهج الديكتاتوري (2)

22/11/2012
تناولت ربما على عجل في الحلقة السابقة قضية المسلمات باعتبار أن التركيز عليها أساسي وموضوعي لعكس مستوى تفاقم أزمة الممارسة التنظيمية ولتوضيح الأهمية القصوى المرتبطة بمعرفة الجزور التي تنطلق منها قضية الإنحراف (العفوى أو المرضي) عن النهج الديمقراطي ، وأعتقد وبكل ثقة أن عملية معالجة قضية التغيير الديمقراطي لا تنبثق إلا من نافذة إستبدال المسلمات التقليدية التي تم إعتمادها كأساس للعملية التنظيمية للبناء السياسي الإنساني عموماً والإرتري على وجه الخصوص بمسلمات أخرى تحقق المعادلة الصحيحة لتداول السلطة وتبين موقع المجتمع من إعرابها”هل هو صاحب الأمر أم مجرد تابع“، ذلك أن حداثة التجربة الإرترية في هذا الشأن وإكتفاء معظم القوى السياسية بنسخ ماتم تقريره إرتجالاً كبناء سياسي في فترة الكفاح المسلح و رحيل القائد والأب الروحي للثورة حامد إدريس عواتي دون أن يترك بصمات لكيفية الممارسة السياسية الصحيحة أوتحديد لمسار آمن ومعالم واضحة يهتدي بها الفكر السياسي الثوري الأصيل ، أدى الى ظهور هذا الفراغ التنظيمي الكبير بعد رحيله، الأمر الذي يدعو كل الأجيال لأن تجلس في مائدة واحدة لمعالجة هذه الأزمة وأن يدلي الجميع بأفكار حيَّة لطرح حلول ومقترحات عملية لتأسيس واقع تنظيمي جديد يرفع عن الشعب الإرتري أثقال العبودية التي يتقلب فيها وتجنب الديمقراطية التقليدية التي تنادي باستمرار تلك الوضعية الظالمة التي نشأت بأمر من الغرب وبإيعاز من اليهود.
إن حصر الدعوة في التغيير الديمقراطي لمجرد نقل السلطة من قبضة الحزب الحاكم الى قبضة جماعة من الأحزاب السياسية للمداولة تلبيةً لرغبة القوى السياسية والمدنية.. يجعلها أشبه ماتكون بدعوة لمد شرعية السلطة الديكتاتورية القابضة والمحافظة على المكتسبات التنظيمية بتحويلها من يد واحدة الى أيادي عديدة ، ذلك لأن مضمون الديمقراطية لن يتحقق إلا عندما يصبح النظام السياسي للدولة خادماً للنظام السيادي للشعب …..!! بمعنى أن طلب التفويض لممارسة السلطة من قبل الأحزاب السياسية داخل قبة البرلمان أو المجلس الوزاري لا يتضمن شرط نزع السيادة من الشعب ، وإلا لتحولت العملية السياسية الى عملية إحتيال وخدعة تنظيمية تمارس على من يجهل تفاصيل العمل السياسي الذي لا تتجاوز صلاحياته صلاحيات الموظف لدى صاحب المؤسسة التنظيمية “الشعب” ، ورغم ذلك نجد أنَّ هذا هو مايحدث عادة بعد إكتمال العملية الإنتخابية وصعود الجهة الحزبية الى منصة الحكم لتتولى الوظيفة ، وذلك لأنها لا تشبعها الحقوق والصلاحيات والأدوار السياسية وحسب فتتجه لصيد الحقوق والصلاحيات والأدوار السيادية على المؤسسة التنظيمية داخل الدولة لتصبح من شأنها وبهذا يصبح المواطنين درجة ثانية بعد الحكام ، ومن ثم تصبح القوانين وسيلة شرعية لفرض الخضوع والإزعان لهذه السيادة التي جاءت برغبة من الشعب وتنازل مباشر منه عبر آلية الإنتخابات العامة ، وهكذا يتشيد صرح الدكتاتورية التنظيمية تحت مسمى الديمقراطية الزائفة التي تدعو الى هذا السلوك الإنتهازي ، والغريب أن تدعي الديمقراطية أنها بإتاحتها الفرصة للأحزاب السياسية النظيرة للحزب الحاكم لكي تقدم نفسها للشعب كبديل للنظام السابق ، أنها بذلك أفسحت المجال أمام الإرادة الإنسانية لتتحرر من قبضة السلطة الشمولية أو الأحادية الحاكمة ، وتبرز لنا مبدأ التعددية الحزبية كأنه مخرجنا الوحيد من الأزمة ، ومن أجل عيون هذا الشعار أصبح الجميع يهتف بشعار الديمقراطية المغلفة بأجندة معاكسة لقيمها الأخلاقية، فهل حقاً أن سيناريو إبعاد الشعب عن شئونه العامة وإبقاءه في الحجر حقوقه وصلاحياته وأدواره التنظيمية التي لا تملك أية جهة أخرى حقوق وصلاحيات شرعية لمزاولتها سواه، لأنه الشعب هو الوحيد مالك أمر السلطة التنظيمية في المجتمع ، ولا يوجد حزب سياسي واحد يتجرأ بأنه سيشارك الشعب هذا الحق ، وإذا حان الوقت حقاًً لظهور حزب بهذا المستوى فنرجو منه أن يعلن عن نفسه ، لأن الديمقراطيات التي تمارسها الحكومات اليوم تشير جميعها الى وجود سلطة سيادية يملكها الحزب السياسي الحاكم فور إنتخابه ، في محاولة واضحة الى شرعنة العملية الإستعمارية التي تمارسها على الشعوب ، فهل نجاح حزب سياسي ما في الإنتخابات العامة يؤهله بعد إنتقاله لسدة الحكم أن يصبح أعلى صلاحية وشرعية من الشعب مالك الأمر ، فكيف بالله عليكم حدث ذلك ، كيف ينتقل المفوَض “كموظف” وحسب الى سقف المفوِض “المالك”، كيف يرتقي من يملك حقوق وصلاحيات وأدوار مؤقتة الجريان “تبدأ وتنتهي بقرعة الإنتخابات” الى مستوى من يملك حقوق وصلاحيات وأدوار دائمة الجريان ولا ترتبط بنتائج الإنتخابات العامة ، كيف نساوي بين الشعب الذي يملك صلاحيات السلطات العامة ويمثل المصدر الوحيد للسلطات وبين من يملك سلطة لا يتم تفعيلها إلا بقرار من الشعب وبموافقة منه.
لا اصدق أن النخبة الشابة المثقفة المستقلة تردد مثل هذه الأوهام التي تسعى لنزع فتيل السيادة والكرامة من علبة الحقوق والصلاحيات والأدوار السيادة للدولة لتعتقد بأن ذلك الحجر في حق الشعب يمثل الحل الديمقراطي الضائع من المعادلة للتحرير الإرادة الإرترية من ربقة الديكتاتورية التي نعلن عنها وكـأنها جسم لا لون له ولا رائحة ولا طعم ولا حتى شكل يمكننا به تحديد ملامحها لنتجنب تكرار نموزجها في هندسة النظام الديمقراطي البديل.
وربما يعود ذلك لجهل الغرب المنحرف عن الجادة أصلاً بحقيقة أن السلطة في طبيعتها ثنائية وليست إحادية بمعنى أنها سلطة سياسية وأخرى سيادية من جهة ، وجمع الوظيفتين السياسية والسيادية في قالب واحد تحت رعاية وحماية السلطة السياسية وحسب من جهة أخرى ، مماخلق الأزمة الراهنة في المجتمع الإنساني وجعل الوسيلة الوحيدة للخروج من هذا المأزق هو إيقاف تفعيل هذه الشرعية التي جاءت بوسائل إنتهازية لم قرها الشعب ولم يستفتى بأمرها من الأصل .
الى اللقاء في حلقة قادمة بإذن الله .
عمر محمد صالح
كاتب ومحلل سياسي
dhnet2010@hotmail.com
قراءة متواضعة في التغيير الديمقراطي حتى لانمارس بجهل النهج الديكتاتوري (1)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المغيبين واالمختطفين فى سجون العصابة الحاكمة فى ارتريا